محمد بن أحمد الفرغاني
29
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
وتعيّن وباطن كل حقيقة إلهية وكونيّة ، وأصله الذي انتشىء منه وهو سار بكليته فيه بحيث يكون في الإلهيّة إلهيّا ، وفي الكونية كونيّا ، والكل مظاهره وصور تفصيله وسمّاه بعضهم البرزخ الأكبر الجامع لجميع البرازخ وأصلها الساري فيها ، وكنى عنه الشرع بمقام أو أدنى ، فإنه باطن مقام قاب قوسين ، أي قرب قوسي الوحدة والكثرة ، أو قل القابلية والفاعلية ، أو قل قوسي الوجوب والإمكان ، وجمعهما وجعلهما دائرة واحدة متّصلة لكن مع أثر ما خفي من التميّز والتكثر بينهما ، وباطن هذا المقام هو مقام أو أدنى من قرب القوسين المذكورين لم يدع أثر التميّز والتكثّر في دائرة الجمعية بين حكم الأحدية والواحدية أصلا ، وكنى عنه بعضهم بالحقيقة الأحمدية الثابتة في حاق الوسطية والبرزخية والعدالة بحيث لم يغلب عليه حكم اسم أو صفة أصلا ، وهذا التجلّي الأول المتعين بهذا التعين الأول وفيه هو نوره المظهر لرتبته والمقدّر ظهوره في هذه الحقيقة البرزخية ، والتعيّن الأول المذكورة وقلبه المطهّر التقي النقي صورة هذا التعين والبرزخية ، ولكن صورة جمعية معنوية ومزاجه الأشرف العنصري الحاصل في أعلى درجات الاعتدال صورته ومظهره الجسمانية ، فكان ذلك التجلّي الأول النوري - كما قلنا - هو نوره أولا صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أشار إليه بقوله : « أوّل ما خلق اللّه تعالى نوري ، واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل » « 1 » . فصل ثم إن هذا التجلّي الأول المذكور كما قلنا يتضمّن الكمال الذي حقيقته حصول ما ينبغي على نحو ما ينبغي ، وذلك قسمان : ذاتي مجمل وحداني تحقّقه يكون في هذه المرتبة الأولى ، وفي مبدأ المرتبة الثانية تتعيّن الحياة واسم الحيّ على ما سنذكره إن قدّر اللّه وشاءه ، ويلازمه الغنى الذاتي الذي معناه شهود الذات وإدراكه نفسه من حيث واحديته بجميع اعتباراتها وشؤونها وأحوالها وبجميع صورها ومظاهرها المعنوية والروحانية والمثالية والحسّية متبوعاتها وتوابعها المندرجة بعضها في البعض والمتعيّنة والمتفرّعة بعضها من بعض أصلا وفرعا ، جنسا ونوعا وشخصا وبدءا وعودا ، نزولا وعروجا ، دنيا وبرزخا وآخرة ، كما تثبت وتشاهد وتدرك في مراتب الكون لأربابها دفعة ، أو متعاقبا من كونها أغيارا بالنسبة
--> ( 1 ) أورد العجلوني بلفظ : « أول ما خلق اللّه نور نبيّك يا جابر » حديث رقم ( 827 ) [ 1 / 311 ] .